سلسلة التراث العربي المسيحي (27-29)
عرض: عماد توماس
نواصل عرض سلسلة كتب التراث العربي المسيحي، ونعرض اليوم بشكل موجز كتاب “أمانة آباء مجمع نيقية لأحد علماء المشارقة في بغداد 1170م” الأجزاء من (27-29)، تحقيق الأب بيير مصري. صدر الكتاب عن المكتبة البوليسية، مركز التراث العربي المسيحي في لبنان، سنة 2011م، وعدد صفحاته 473 صفحة من القطع المتوسط.
شرح الأمانة واحدٌ من تفاسير قانون الإيمان القليلة التي بلغت إلينا من كتابات المسيحيين العربية القديمة. وهو أكثرها توسعًا في حجمه، وإن لم يكن يفوقها ابتكارًا وأصالةً في محتواه. حَفِظَه لنا مخطوط فريد، شاءَ له الزمانُ أن يُصان في خزانة كتب القس بولس شباط الحلبي، ويستقر به المقام في مدينته حلب.
محقق الكتاب
محقق الكتاب الأب بيير مصري، بدأ العمل فيه منذ عام ۱۹۹۰، وكان موضوعاً للأطروحة التي دافع عنها في أواخر عام ١٩٩٢ في المعهد الباباوي للدراسات العربية والإسلامية بروما. وقد أعد صياغة العمل بأكمله صياغة جديدة تناسب مقتضيات النشر الحالية.
مدخل لابد منه
رغم أن مؤلف الكتاب وعنوانه مجهول إلا أن محقق الكتاب الأب بيير مصري، يُؤكد على أن معطيات عديدةٌ في النص ذاته، تسمح لنا بأن نرجعه على أغلب الاحتمالات، إلى أحَدٍ عُلماء المشارقة البغداديين في العقد السابع من القرن الثاني عشر الميلادي. فالكتاب والأعلام الذين يستشهد بهم، والأحداث التي يروي منها أطرافًا في سياق تفسيره تقودنا إلى ترجيح انتمائه إلى ذلك العصر.
ففي بغداد، التي كانت عاصمة الخلافة العباسية التي شارف خريفها على الأفول، ومقرّ جاثليق كنيسة المشرق، وقد مالت شمس عصر الإبداع فيها، بعد غياب آخر أعلامه البارزين، كعبد الله بن الطيب وإيليا النصيبيني في القرن الحادي عشر، وتنامت في طريقة الإنتاج الأدبي النزعة الموسوعية، التي كانَ أحَدُ ذُرواتها كتاب «المجدل». وكان خوفًا على تُراث السلف من الضياع…دفع بمصنفي ذلك الجيل إلى الانكباب على إنشاء مؤلفات، فيها من التجميع والتنظيم، أكثر بكثير مما فيها من الجدة. وهذا التفسير – مثلما يقول محقق الكتاب – واحد من هذه المؤلفات التي تطمح إلى أن تجمع بين دفتين، أطراف كافة المسائل الفكرية واللاهوتية التي يحتاج المؤمن إلى معرفتها، أو يلزمه الرجوع إليها، إذا دبَّت الشكوك في نفسه، أو استنهضت إيمانه تساؤلات الآخرين واعتراضاتهم. فيتخذ كاتبنا من نص قانون الإيمان ناظمًا لعقد مجموعه، وينسج على منوال من سبقه في تفسيره، فيُقسمه إلى فقرات صغيرة فعبارات أصغر، يجعل من شرح كُلُّ واحِدَةٍ منها، مدخلًا لطَرْقِ مُجمّل المواضيع التي تمت بصلةٍ قريبةٍ أو بعيدة إلى ما تحمله من مدلولات. وعلى هذا المنهج، فإنه يجعل من تفسير كلمة “الواحد”، انطلاقًا لمجموعة واسعة من الحجج والشهادات على توحيد النصارى؛ ومن معنى كلمة (الآب)، فاتحة الخوض في غمار الكلام على التثليث؛ ومن شرح عبارة «ابن الله»، مقدمةً لبحث مطول عن الاتحاد والحلول؛ ومن التعريف بـ”المعمودية”، بدايةً لاستعراض مُجمل القضايا المتعلقة بالطقوس والعبادات المسيحية.. وقس على ذلك في سائر الفقرات
مصادر الكتاب
يُؤكد الأب بيير مصري، على أن كاتبنا – البغدادى المجهول الاسم – استفاد من مكتبته القيمة والمتنوعة المصادر، فيستشهد ببعض المؤلفات الفلسفية، وبالعديد من الكتابات الإسلامية المرجعية. لكنه يستقي مواد تفسيره على وجه الخصوص من المصنفات المسيحية العربية الشهيرة فيعتمد كثيرًا على كتاب «المجدل»، دون أن يتقيد مثله بالخطاب المسجع، وعلى كتابات إيليا النصيبيني المختلفة، في بعض الأحيان بتطويرها، فيُضيف إليها ما يُعزّز البيان في الموضوع المطروق، أو ما يُعبر بمقدار أكبر عن غاياته الدفاعية أو اللاهوتية. وهو، وإن كان يعتمد في المقام الأول على مصادر من تقليده النسطوري، إلا أنه لا يُهمل الاستعانة بما أبدعه أعلام الفرق المسيحية الأخرى. فنجده يستقي من كتابات أبي قُرَّة الملكي، وابن عدي اليعقوبي، وسواهما. فيستشهد بقول من هذا، ويُلخّص مقطعًا من ذاك، ويتوسع في فصل من الآخر، ليتم تشييد أركان تفسيره بأمتن ما قد خلف السلف من مواد البنيان. وهو يرجع إلى المصادر العربية المسيحية، وكأنه يعتبرها تُراثًا مشتركًا للناطقين بلغة الضاد من النصارى في عصره.
إلا أن اعتماده الواسع على المصادر لا يعني بالضرورة أنه أسير لها، أو أنه يكتفي بتجميعها وتعديلها والتعليق عليها. فهو إلى جانب الحرية الملحوظة التي يتعامل بها مع العناصر السابقة له، يُبدي في مواضع كثيرة ملامح خاصة به، وأغراضًا منهجية وفكرية تميز عمله. من بين هذه المميّزات، نذكرُ على وجه الخصوص الملامح الثلاثة التالية:
# أولًا: حرصه الشديد على أن يُرفق الشهادات الكتابية، التي كثيرًا ما يوردها توطيدًا لتفسير كل فِقْرَةٍ من فقرات الأمانة، بمجموعة مماثلة من الشهادات القرآنية الملائمة، التي تخدم برأيه الغاية ذاتها. إنَّ الاستشهاد بآيات القرآن وتفسيرها بما يتناسب مع المعنى المسيحي المرجو منها، هو دون شك أسلوب شائع في الكتابات العربية الدفاعية.
# ثانيًا: لا يكف شارحنا عن مُقارنة التعابير اللاهوتية التي يستعملها، بما يُقابلها من مصطلحات أو مفردات، يستخدمُها الخطاب الديني الإسلامي، أو جرت العادة بالتعبير بواسطتها عند المتضلّعين باللغة العربية في زمانه. وهذا يدل على أنه مشكلة العلاقة بين التسميات والمعاني التي لا بد لكل كلام بشري عن بشري عن الله من مواجهتها، ويجهَدُ بقدر ما يملك من أدوات منطقية وأمثلة تشبيهية، في توضيح المفاهيم وتحديد المصطلحات، آملًا أن يتمكن من تأسيس دفاعه على قاعدة مشتركة، تجعل من التخاطب بين المنتمين إلى أديان وعقائد مُتباينة، أمرًا ممكنًا.
# ثالثا: يشترك شرح الأمانة مع الجزء الأكبر والأهم من المؤلفات اللاهوتية العربية المسيحية في نوعه الدفاعي. وتُشكل الكتابات الدفاعية تقليدًا عريق الأصالة في التراث المسيحي ككل، حتّى أمكن القول بحقِّ إِنَّ الكلام في اللاهوت وقد وُلد “دفاعيا”. ويبدو أن المهمة الدفاعية لا يُمكن أن يخلو منها، ولو بدرجات متفاوتة، أي خطاب لاهوتي حقيقي يسعى لأن يُواجه بجدية تحدي إعلان البشرى بلغة يُخاطب بها فعلًا عقول سامعيه وقلوبهم، فيجعل همه تحقيق التأصيل الثقافي للكلام اللاهوتي والتعليمي، وتجسده في المحيط، وتموقعه في زمان ومكان تميزهما ثقافة وظروف سياسية واقتصادية معينة. وعندما يتعلق الأمر بجماعة مسيحية تواجه في واقعها اليومي تعابير إيمانية وممارسات دينية مختلفة، فتستشعر الخطر الذي قد يُهدِّدُ كيانها وتميزها خصوصًا إن كانت هذه التعابير والممارسات منتمية إلى خلفية فكرية ولاهوتية مشتركة.
محتويات المجلد الاول
هذا المجلد الأول ثلاثة أقسام الدراسة التاريخية، وفيها ثلاثة فصول، يستعرض فيه محقق الكتاب، أولًا استعراضًا عاجلًا ما نعرفه عن تفاسير الأمانة القديمة التي حفظها لنا التقليد الكنسي، ثم ننتقل إلى درس مختلف المسائل المرتبطة بمخطوط “شرح الأمانة والنص” الذي يحتويه، ويحاول بعد ذلك تحديد تاريخ تأليفه في الزمان والمكان.
أما القسم الثاني فقد خصصه – محقق الكتاب – لدراسة المصادر التي يأخذ عنها مفسرنا نصوصه المقتبسة. وحرص على أن يقارن أحيانًا كلمةً كلمة، بين النص الوارِدَ في شرح الأمانة والأصل الذي يستقي منه، طمعًا في التمكن من اكتشاف الطرق التي يتعامل بها الشارح مع مصادره، أو التعرف على اتجاهات تفكيره الخاصة، والغايات التي يُعدل بموجبها في أصوله.
وفي القسم الثالث تأتي الطبعة المحققة التي أعدها المحقق للجزء الأول من شرح الأمانة، وموضوعه الأساسي: التوحيد والتثليث وهو يمثل بأكمله تفسيرًا للفقرات الثلاث الأولى من قانون الإيمان.
ويمكن الاطلاع على الكتاب بمجلداته الثلاثة بمكتبة مركز دراسات مسيحية الشرق الأوسط، بكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة.
كنوز مكتبة مركز دراسات مسيحية الشرق الأوسط
سلسلة التراث العربي المسيحي (27-29)



